العوامل المؤثرة في السلوك

ليس التحديق والابتسام والمناغاة والتقليد إلا حوادث طبيعية تحدث تلقائياً خلال عملية النمو، الأمر الذي دفع بعض الباحثين الى عدها ظواهر تأثير وتوجيه غريزية تفيد في المحافظة على النوع. يعتقد بولبي أن في متناول الناس، شأن الحيوانات ، رصيداً من سلوك فطري يفيد في الإبقاء على حيواتهم في الفترات الأولى من الحياة وفي تعلمهم أساليب الدفاع عن حيواتهم والإبقاء عليها. ولسلوك التأثير والتوجيه لدى الرضيع قيمة في الإبقاء على النوع تتأكد عبر جذب انتباه الأهل والراشدين لإطعام الرضيع، وإمساكه، والعناية به. وبصرف النظر عن الجدل حول فطرية سلوك التأثير التوجيهي، فإن شموليته لكل أطفال النوع البشري تجعل له مكانة وظيفية هامة في حياة النوع. فلقد تبين أن إطلاق الرضيع للأصوات يزداد بتعزيزه بالإبتسام والنقر تحت الذقن، والربت على البطن لدى غرغرة الوليد أو مناغاته. ثم إن الرضيع يزيد من تكرار ابتسامته إن رُد على ابتسامته بنظيرتها. ولقد وجد يارو ورفاقه إن كمية الإثارة التي تقدمها الأم للطفل تزيد من شدة الاستجابة الاجتماعية للآخر، ومن توجهه الهدفي، ومن سلوك بلوغ الأشياء وامساكها. تؤكد نتائج يارو وسواها إن الاستجابة العضوية والعاطفية تشجع الرضيع للمبادرة الاجتماعية وتشدد من ميله لكشف الواقع الاجتماعي من حوله.

تشير أغلب الأدلة الى حاجة الطفل للإثارة الاجتماعية لفائدتها في استدعاء استجابته الاجتماعية، فقليل من العناية بالطفل أو الابتسام له، أو التحدث إليه بلغة ما، يفيد في جعل علاقاته مع الآخرين انتقائية تتميز الواحدة منها من سائر العلاقات الأخرى. إلا أن الملاحظات المذكورة تبقى مجرد فرضيات فلسفية يعوزها الدليل التجريبي. فالاعتبارات الخلقية الاجتماعية تمنع الباحثين من حرمان الأولاد من الإثارة الاجتماعية لغرض البحث العلمي المتمثل بالتلاعب بالمتغير المستقل أو التجريبي. غير ان لدينا الكثير من الأطفال الذين حرمتهم الطبيعة تلك الإثارة أو بعضاً منها وفي التجارب التي أجريت على صغار الحيوان دليل كاف لدعم فرضنا ذاك (هارلو، 1966).

التعلق بالناس

يبدأ الأطفال، حال تحولهم انتقائيين توجيهيين في سلوكهم، بتنمية تعلق خاص بالناس المألوفين في عالمهم. يشمل التعلق الحب والاتكالية على السواء، إذ يمارس الأطفال تعلقهم بالناس بالسعي للتقرب منهم وبالاستماتة للحصول على انتباههم واستحسانهم، وبالغضب من انفصالهم عنهم. يشير بعض علماء النفس للضروب العشوائية من سلوك الابتسام والمناغاة، والتحديق المميزة لمرحلة الرضاعة المبكرة كضرب من التعلق، وذلك لأنها تعمل على جذب الانتباه وتقريب الناس بعضهم من بعض غير أن السلوك التعبيري لا يغدو انتقائياً إلا بعد أن يتعلق الصغار فعلاً بأشخاص معينين وأن يتحسسوا غياب هؤلاء وحضورهم. درس سلوك تعلق الرضيع بالكبار في عدد من مناطق العالم. يبدو من تلك الدراسات أن تعلق الرضيع بالكبير يظهر في الشهر السادس أو الثامن.

يحدث أن يركز الرضيع تعلقه بشخص واحد أولاً هو أكثر الأشخاص استجابة للرمزية الاجتماعية للرضيع. وعادة يكون هذا الشخص الأم نفسها، بالرغم من أن ثلث الأطفال، في إحدى الدراسات، قد بدأ تعلقه بأبيه. وسرعان ما ينتقل التعلق ليشمل آخرين في عالم الطفل. وتتسع دائرة الأشخاص المتعلق بهم مع العمر، فتشمل أقارب الأسرة وأصدقاءها. ولا يأتي الشهر الثامن عشر حتى يكبر عدد الناس المعلق بهم لدى كل الرضع تقريباً.

يلعب الشخص الذي يرسي عليه الطفل أول تعلق به دوراً أساسياً في نمو شخصية الطفل بين العمرين ثمانية أشهر وسنتين. تقتصر وظيفة التعلق قبل الشهر الثامن على تأمين العناية العضوية والإثارة الاجتماعية ثم يمتد التعلق الى كل من يحقق تلك الوظيفة. غير أن التعلق يأخذ بعد الشهر الثامن صيغة الاتكال الوجداني والدائم على الآخر ويتمثل بظاهرتي "القلق من الغريب" و "قلق الفصم".

تكوين سلوك التعلق

يتشكل التلعق، شأن السولك التعبيري، عندما يثير الوالدان الرضيع وعندما يستجيبون فوراً لإشاراته وخاصة الصراخ منها.ويضعف تعلق الطفل ويتأخر إن لم تكن إستجابة الوالدين فورية ودافئة. يتوقف تعلق الطفل بالراشد على نوع العناية التي يوليها الأخير للأول وعلى شدتها. ولا بد من التأكيد بأن تفاعلاً اجتماعياً حقاً تفوق أهميته في تشكيل تعلق الطفل بالراشد أهمية الفترات الطويلة من العناية التقليدية.

يقوم العامل الحاسم في تكوين سلوك التعلق إذن، في نوع العناية الوالدية بالطفل وليس في كمها. وليس ثمة أي دليل على أية درجة من التأكيد على تعرض الطفل للشذوذ النفسي نتيجة الغياب الاضطراري لكلا الوالدين عن المنزل، خاصة عندما يتوفر للأطفال بدائل ثابتة من الناس توفر لهم حاجاتهم الأساسية. إذ يمكن لأكثر من عضو في الأسرة أن يشارك في الرعاية بالطفل دون أن يتأذى تكون سلوك التعلق لدى الرضيع.

القلق من الغريب

يتوافق سلوك التعلق لدى الأطفال بإثارات من القلق لوجود الغرباء في عالمهم. فيتضايق معظم الأطفال بين الشهرين الخامس والثامن من اقتراب الغرباء منهم تضايقاً أميل لأن يتحول الى العبوس والصراخ والابتعاد. يبلغ قلق الطفل من الغريب ذروته في نهاية السنة الأولى ثم يبدأ بالاضمحلال وذلك عندما لا يجد الرضيع في الغريب ما يستدعي خوفه. يعجز الوالدان عن تقبل ظاهرة قلق الطفل من الغريب فينتابهم القلق من تدهور التطور النفسي للولد. هذا مع العلم أن ظاهرة القلق من الغريب ليست عامة وبعض الأطفال يتخطى قلق الغريب بسرعة مذهلة. مع ذلك، فإن من المفيد للوالدين أن يتعرفا أبعاد قلق الطفل من الغريب، وأن يدربا الطفل على الخطوات التي تساعد على التغلب عليه. على الأهل ألا يحثوا رضيعهم على معاناة الكآبة مع الغريب بإعداده للمعاناة الاجتماعية الايجابية خلال الأشهر الستة الأولى من العمر.

قلق الفصم

يميل أغلب الرضع، وبعد أن يتضح قلقهم من الغريب، الى أن يخافوا البعد عن والديهم أو عن الآخرين الذين سبق لهم أن تعلقوا بهم، ويبلغ قلق الفصم ذروته بين الأشهر 13 و 18 من العمر حيث يبدأ بالزوال هو الآخر. يعبر الاطفال عن قلق الفصم بالإضافة الى الصراخ والعبوس، بالتعلق بالراشد عندما يحاول ترك المكان الى آخر، وذلك لقدرة الطفل على المشي والحركة في تلك السن. يمكن، بسبب العلاقة بين ضربي القلق، معرفة ما إذا كان الرضيع متعلقاً بشخص ما، وذلك بملاحظة سلوك الرضيع لدى مغادرة ذلك الشخص للمكان والرجوع اليه. لقد درس بل وانزوورث ردود فعل الرضيع إزاء هجر الراشد له في موقف لعب، حيث تجلس الأم مع طفلها في غرفة اللعب ثم ترجع بعد برهة من الزمن. وجد الباحثان أن ابن السنة لا يحتمل غياب أمه عنه لعدد من الدقائق، فتراه يصرخ، ويركض الى الباب، ويتجول في الغرفة كما لو أنه يبحث عنها، ويفقد كل اهتمام باللعب والدمى، ويهدأ الصغيرة برجوع أمه، ويتعلق بها، ويقاوم أية حركة لإبعادها عنه. ولقد أكد باحثون آخرون تلك الملاحظات على الأولاد بين العمرين عشرة أشهر وثمانية عشر شهراً.

أبدت القردة ردود فعل على فصلها عن أمهاتها، مشابهة لردود فعل الأطفال البشريين. وأمكن مع تلك الحيوانات التصرف بالمتغير المستقل، فوضعت الأمهات في أقفاص على مقربة من القردة الصغار التي حجزت في أقفاصها. لوحظ أن حرمان القردة من الاحتكاك بأمهاتها يدفعها الى الصراخ، والقفز، والتطلع الغاضب، كما لوحظ أن مثل ذلك السلوك ينقلب بعد ثلاثة أسابيع من الحجز الى ضرب من اليأس والخمول وفقدان الاهتمام. ولم تختلف ردود فعل الأطفال البشريين، الذين عزلوا عن أمهاتهم لأسباب ترجع الى شروط حياتهم، عن الاحتجاج الذي أبداه أطفال القردة إلا في تمردهم لدى عودة الأمهات إذ لم يعمد أطفال البشر الى ملاقاة الأم العائدة بحنان بعد فصل تجاوز الأسبوع. يقابل الطفل البشري أمه العائدة كما لو أنه لا يعرفها، أي كما لو أنها كانت غريبة عنه، فيصرخ ويبتعد عنها إن هي حاولت التقرب منه. وينقلب سلوك اللامبالاة بعد أيام الى ضرب من الصراع بين البعد عن الأم الغائبة وبين الارتماء اليها. يشعر الوالدان أن الطفل يفعل ذلك كما لو أنه ينتقم من الأم. إذ يزول سلوك الذبذبة بعد أسابيع من حياة التعايش الطبيعي بين الولد وأمه. تظهر ردود أفعال الطفل على فصل أمه المؤقت عنه أهمية التعلق الأولي بالأشخاص الأساسيين في حياة الطفل. لكن من المفيد أن نذكر أن مشاعر اليأس التي تعصف بالطفل لدى غياب الشخص الأساسي في حياته عنه تخف كثيراً لو بقي حول الطفل أناس يعنون به.

النظريات التي تفسر أصول التعلق الطفلي بالراشد

يتفق علماء النفس على شمولية قلق الفصم لدى كل الأطفال في كل المجتمعات، إلا أنهم يختلفون في نظرياتهم التي تشرح أسباب ذلك القلق. يؤكد تقليديو التحليل النفسي ونظريو التعليم انبعاث الاهتمامات الاجتماعية من الحاجات البيولوجية للفرد مباشرة. فالطفل برأي جماعة التحليل النفسي يبدأ بالشعور بالحب نحو أمه لأنه يقرنها بتجربة الإطعام الملذة. أما بالنسبة لنظريي التعلم فإن إرضاء الدافع الأولى من جانب الأم أثناء إطعامها وليدها، يدفع الأخير ليكون دافعاً ثانوياً يتمثل بتقربه من الأم واتكاليته عليها. ويضيف هؤلاء بأن الاهتمام الاجتماعي المصاحب لحب الولد لأمه واتكاليته يتعمم نحو الناس الآخرين.

دفعت تلك النظريات غالبية علماء النفس، ولسنوات عديدة الى التمييز بين الدوافع الأولية (البيولوجية) من جهة والدوافع الثانوية (الاجتماعية) من جهة ثانية. إلا إنه قامت بدءاً من عام 1960، نظريات جديدة رأت أن الاهتمام الاجتماعي دافع إنساني متميز وأولي.

يعتقد بولبي، الذي يعد من أهم الآخذين بالنظريات الحديثة أن التعلق بالآخر ينبعث من سلوك التأثير والتوجيه، ومن الاهتمام الشخصي الذي يوليه الآخرون. فالاستجابات الاجتماعية من جانب الراشدين هي التي تشكل السلوك التعبيري للناشئ في أنماط من التعلق التبادلي. تميل نتائج الدراسات العلمية لترجيح وجهة نظر بولبي على النظريات التقليدية الأميل للأخذ بنظرية أرواء الحاجة في تفسير النمو الاجتماعي. وهكذا، فعندما يتعلق أبناء التعاونيات الاشتراكية بوالديهم الذين يداعبونهم لفترة قصيرة كل يوم، وليس بمن يطعمهم ، فإنهم إذا يبدون الإثارة الاجتماعية وهذا يتعارض مع الاتجاه القائل بأن الحاجات البيولوجية هي التي تقود الى نمو روابط اجتماعية وثيقة.

يقدم عمل هارلو في مجال الحيوان دعماً جديداً لتلك النظرية، إذ قد أبدت صغار القردة تعلقاً بالآخر على الرغم من أنه لم يطعمها. وقد وضعت القردة، في تجربة هارلو مع نوعين من ام حديدية تتكون الأولى من أسلاك معدنية والثانية من أسلاك معدنية مغطاة بالقماش. وكان لكل منها زجاجة إرضاع في صدرها يستطيع الصغار تناول طعامهم منها. مالت كل القردة للتعلق بالأم الحديدية المغطاة. وعندما وضع شكل مرعب في القفص هربت صغار القردة من كلتا التجربتين للاحتماء بالأم القماشية (هارلو، 1959).

يعمل تأثير الأدلة العلمية في مجال الإنسان والحيوان على دفع الكثيرين من جماعة التحليل النفسي ونظريي التعلم باتجاه نظرية بولبي، فيميل بعض جماعة التحليل النفسي اليوم الى اعتبار أن الطفل ينزع بالفطرة للبحث عن الأشياء، بحيث يبدو الدافع الاجتماعي وكأنه يصدر تلقائياً عن الكائن وليس كنتيجة للدافع الحيوي. يأخذ الاستنتاج المشار إليه أهمية خاصة في مجال تشكيل الحيط للاهتمامات الاجتماعية التي تبرز خلال عملية نمو الفرد.

الفطام والفردية

تضعف أهمية التعلق والأشخاص الذين يتعلق الطفل بهم في مرحلة جاهزية الطفل لدخول المدرسة. إذ يدخل العديد من الناس في تلك الفترة عالم الطفل ويزيدونه غنى بالاهتمامات الاجتماعية. وهكذا يتخطى الناشئة القلق من الغريب وقلق الفصل عن الأم ويكون أبناء السنة الثالثة أقل تأثراً بترك الوالد من أبناء الثانية. ولا يتأثر أبناء السنة الخامسة قط بغياب الوالدين أو أحدهما. ومع سيطرة الطفل على ضربي القلق المذكورين، يزداد ميله للانفصال عن الوالدين والانسياق مع فرديته الخاصة. ويمكن تسمية ميل الطفل للانفصال والتفرد بالفطام النفسي، الذي يمهد السبيل لنمو الذات واستقلاليتها.

بداية الفردية

يبقى الصغار خلال السنة الأولى في أي مكان تضعهم فيه أمهاتهم. وقد يسوء سلوك الرضيع ويجترئ على تعليمات الأم بملازمة المكان إلا أن ذلك يبقى عرضاً ولا يرتبط بمشاعر الولد نحو أمه. غير أن أمرين على درجة كبيرة من الأهمية يظهران في السنة الثانية، إذ تزداد، أولاً مهارة الأولاد في معالجة الأشياء وفي التجول، ويبدؤون يحسون أن سلوكهم يؤثر في أهلهم. وتبقى رغم ذلك، سلطة الوالدين على الطفل على صدارتها، فيعاقبان الطفل على تمرده على أوامرهما ويعززان حركاته الخضوعية. إلا أن الأولاد في هذه المرحلة يعرفون كيف يتلاعبون بمشاعر والديهم.

تؤشر مهارة الطفل ووعيه لتأثيره في والديه بداية انطلاقه نحو الاستقلال، فينتقم الطفل لنفسه من الحرمان والسيطرة التي تمليها عليه الأم ويعمد الى معاقبتها على الفور ببصق الحليب، وبرفضه الركون عن الحركة عندما تريد إلباسه، وبتفجره الانفعالي الذي يعمل على تمزيق أعصاب الأم. تساعد اللغة الطفل على رفع صوته بالاحتجاج وإعلان حاجاته للاتصال بين الأم ووليدها، لتكون واسطة للتعبير عن الصراع الدائر بين الاثنين. ولا تعني قولة الطفل "لا" أنه يرفض هذا الأمر أو أنه يطلب القيام بأمر آخر يرضي حاجة أخرى، بل تكون تلك الـ "لا" محاولة لتأكيد ذات الطفل كفرد متميز، أي على إرضاء حاجة الحاجات الأولى. ومعارضة الطفل لوالديه إنما هي الأداة الأساسية لإثبات هويته المستقلة ورعايتها. العادة أن تضايق سلبية الطفل وثورته والديه،إلا أنهما يحترمان ذلك الجانب الضروري والهام للذات النامية ويرعيانه. يفرض النمو على الناشئ أن يثور، فإن هو لم يفعل ذلك في نهاية السنة الثانية، فقد يكون السبب هو علاقة مرضية بين الولد وأمه تتمثل بما يسمى المريلية. يتعلق الطفل المريلي بأربطة مريلة أمه فيفعل ما تريده أن يفعل ويمتنع عن فعل ما تمنعه أن يفعله. ولا يتقدم الطفل المريلي لفصل نفسه عن أمه ولإقامة هويته المستقلة. تكون المريلية قبل السنة الثانية ظاهرة طبيعية أما إن هي تخطت السنة الثانية كانت دلالة مؤكدة أو إشارة لنمو مرضي شاذ لا يلبث أن يتكشف ملقياً آثاره المدمرة في الناشئ.

استجابة الأم للفطام النفسي

تشير الملاحظات السريرية لبعض المحللين النفسيين الى أن الأمهات يختلفن كثيراً في استجابتهن لنزعة الطفل الفردية. المفروض أن تسر الأم لنزعة ابنها نحو الاستقلالية. فميل أحدنا للسيطرة على الآخر واستخدامه له يجب ألا يمنعنا من الترحيب بما يكتسبه الطفل من براعم التفتح الذاتي المتمثل بالتمرد والسلبية اللذين يحققان نهايتهما بالاستقلالية. فإن استطاعت الأم تكييف ذاتها لتقبل تلك التغيرات، وذلك بالاستمرار برعاية الطفل بذات النوعية والحب، عملت على مساعدة الناشئ على أن يكون "شخصاً" في مستقبله. غير أن بعض الأمهات لا يتمتعن بالعناية بالناشئ إلا إذا كان اتكالياً عليهن، ويفقدن اهتمامهن به أن هو أبدى مظاهر الاستقلال والتكون الفردي. تبحث تلك النسوة عن أي عمل يرضي ذواتهن عندما تقطع فردية الطفل مريلته ويجدن أنفسهن في مواجهة أطفال يعتدون بذواتهم وعقليتهم وشخصيتهم. فقد لا تعني رغبة الأم في الحمل من جديد إلا إرضاء رغبة الأمومة لديها بالعناية بولد يبقى على مريلته. فليس عجيباً أن تجد عدداً من النساء يحملن عند بلوغ طفلهن سنته الخامسة. تعمد بعض تلك النساء الى ترك المنزل ورعاية الأولاد الى عمل خارج المنزل ينسيهن مأساتهن. وتميل فئة أخرى من الأمهات لأن تكن استقلاليات ولا ترتحن الى وجود من يعنى بهن. إن هؤلاء النساء يفرحن لدى ظهور نوازع الاستقلالية لدى أبنائهن لأنهن يشعرن بتحررهن من عبء تفسير الأشياء للطفل والاستجابة لإشارات الكآبة التي يطلقها. تجد تلك الأمهات لذة في التحدث الى أبنائهن عندما يبلغون السنة الثالثة، ويكرسن الكثير من وجودهن لأولادهن بعد أن كن بعيدات عنهم.