إن السلوك الإنساني يمكن تشبيهه مجازا بالكائن الحي حيث أن كلاهما يؤثر ويتأثر بالبيئة التي يعيش فيها ، وأن كلاهما تتشكل ملامحه وتتخلق صفاته المختلفة طبقا لنوعية الثقافات التي يحتك بها ويشارك فيها أو تفرض عليه سواء كانت هذه الثقافة (غذائية ـ اجتماعية ـ سياسية ـ اقتصادية ) ، وإن كان التشبيه منقوصا إلا أنني أعتقد أن السلوك يشبه الكائن الحي في مرونته وفي طواعيته للتأثر والتغير للأحسن أو الأسوأ حسب البيئة المحيطة والثقافة السائدة وأساليب ونظم الحياة ومستوى ونوعية الفكر البشري السائد في المجتمع المحيط بصاحب هذا السلوك الإنساني .

ومن هنا يكون السلوك الإنساني هو العامل الأساسي في تطور ورقي المجتمع أو انحطاطه وتخلفه وتأخره عن ركب الحضارة وقطار التكنولوجيا الذي يسير بلا توقف ، ولأهمية هذا السلوك دارت حوله الأبحاث والدراسات لتقويمه وللتعرف على أسباب انحرافه ، وكذلك البحث عن علاج لهذا الانحراف.

ومن أهم وأخطر أنواع السلوك الإنساني ( العنف والإرهاب ) ::

ولأن العنف والإرهاب سلوكيات قد تؤدي لتدمير الإنسان القائم بالسلوك نفسه قبل تدمير المجتمع المحيط ، فأصبح من الأهمية البحث والدراسة للوقوف على الأسباب الحقيقية التي ساهمت في إنتاج هذا العنف وهذا التطرف بهذه الطريقة المخيفة ، وحقيقة أن أي مجتمع يكتب له النهوض لابد أن يبحث عن أسباب قديمة لكل سلوك استفحل وتوغل حتى أصبح ظاهرة عامة ، ولأن التطرف والعنف أصبحا من السمات المميزة للرجل العربي فلابد لهما من أسباب.

العنف في التربية والتعليم ::

اعترض كثير من المصريين على قانون تحريم الضرب في المدارس ، وقالوا إن منع الضرب في العملية التعليمية سيؤدي إلى الفوضى والتسيب وتطاول الطلاب على المدرسين ، ورغم وجود هذا القانون إلا أن الواقع يسير على العكس تماما ، حيث يزداد العنف والضرب للتلاميذ وتزداد الإصابات لدرجة كسور في عظام وجروح غائرة بسبب تعدى مدرس بالضرب على تلميذ وإصابات تعتبر جرائم مثل التسبب في فقدان تلميذ لبصره أو تشويه وجهه ، والفوضى الموجودة في التعليم بكل مراحله هي ضمن الفوضى السائدة في المجتمع ، وهى شديدة الارتباط بما يحدث في الشارع والأتوبيس والنادي ومعظم الأماكن العامة مثل أفران الخبز وطوابير المصالح الحكومية ، وقيادة السيارات في الشوارع ، ولم تنفصل أيضا عن العلاقات الخاصة داخل الأسرة والأقارب والجيران ، إذن من الخطأ أن نقول أن الفوضى في المدارس سببها هو تحريم الضرب ، ولكن هي نتيجة التعايش و التأثر بثقافة سائدة ومسيطرة وحالة من الفوضى العامة في المجتمع ككل.

ويقول المتخصصون في التربية وعلم النفس أن العقاب البدني هو أشد أساليب التعليم تخلفاً ، ويؤدي إلى نتائج عكس المطلوبة تماما إذا كان المطلوب الانضباط والتهذيب والالتزام ، ناهيك عن الاهتمام بالتفوق الدراسي الذي لا يشغل بال معظم العاملين في العملية التعليمية وهذا موضوع يطول شرحه مع (الدروس الخصوصية).

ومكمن الخطورة هنا ::هو اعتبار العنف والضرب هو السبيل الوحيد لحل المشكلات اليومية في المجتمع بدء من مؤسسات التعليم ، وما يحدث بين الأزواج في البيوت ، وما يحدث بين الجيران والأهل والأقارب بسبب أمور أتفه ما يكون ، وما يحدث في الشوارع بين الناس في أبسط الأمور ، ومن هنا توضع اللمسة الأولى في تشكيل وجدان الطفل بحيث يعتبر أن العنف هو السبيل الوحيد السائد والمتعارف عليه في حل جميع المشكلات داخل هذا المجتمع.

وكما قلت أن السلوك الإنساني يشبه نسبيا الكائن الحي

وتزداد الخطورة أكثر حين يشب الطفل أو الفتى ويصبح شابا مفتول العضلات ، لأنه قد وضع في قلبه وعقله معا بذرة خلقت داخله إيحاء تحول لاعتقاد بأن العقاب البدني أو الضرب هو الوسيلة الوحيدة لتعديل السلوك ، وكلما كبر الطفل وأصبح شابا ثم فتى فهو بدوره يحب أن يستخدم نفس الوسيلة مع الآخرين بمجرد أن ينضج جسديا ، أو بمجرد أن يمتلك وسيلة لإيذاء الآخرين بدنيا ، وجدير بالذكر هنا الإقبال الشديد للشباب في سن معينة على صالات الجيم ، وإقبال البنات على ممارسة إحدى ألعاب المنازلات مثل (الكاراتيه والكونغ فو والتايكو ندو والكيك بوكسر) للدفاع عن النفس.

ومجرد استخدام القوة أو الضرب كوسيلة لتخويف التلاميذ كالتلويح بالعصا يرهبهم حتى لو لم يحدث الضرب فعليا ، وذلك لأن الطفل تتولد في عقله فكرة ممارسة القوة بالتهديد والتخويف لإرهاب الآخرين الذين لا يمتلكون نفس القوة أو السلاح المماثل ، وبالطبع لا يمكن لكل طفل أن يحمل عصا مثله مثل المدرس..!!.

وبناء على هذه الخلفية الثقافية لدى شبابنا وكثير منهم قد تعرض للعقاب البدني يعتقد بصلاح هذه الوسيلة للتغيير ، ولذلك كان من السهل تجنيدهم باسم الدين لكي يشاركوا في تغيير الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي بالقوة ، عن طريق إرهاب الزملاء من البنين والبنات حتى يفرضوا عليهم الظهور بشكل معين مثل ارتداء الحجاب والنقاب واللحية والجلباب ، وكذلك دعوتهم للإقلاع عن هوايات مثل الموسيقى والرسم والرياضة والرحلات بدعوى أنها تخالف الدين حسب مفهومهم للدين ، كبار قادة التطرف قد استخدموا في نفس السياق أحاديث نسبوها زورا لخاتم النبيين لكي تساعدهم في إقناع الشباب المراهق الذي يملك خلفية ثقافية أثرت في سلوكه بحيث جعلته أكثر جاهزية لممارسة العنف في المجتمع مثل حديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده) ، وهنا تكتمل الصورة في عقل ووجدان المراهق بحيث تم ربط الواقع الاجتماعي بالدين ، وهنا يعتقد أن ما يفعله جزء من الدين.

والنتيجة الحتمية لهذا الكبت في التربية والتعليم هو الانفجار ، وذلك لأن تنفيذ الأوامر يكون خوفا من العصا أو من العقاب فقط ، فيكون امتثال سطحي ويتلاشى سريعا باختفاء حامل العصا فهو خوف وقتي ، ولذلك نشاهد الضجيج والأصوات العالية عند خروج التلاميذ للفسحة (الراحة) بين الحصص أو عند الخروج من بوابة المدرسة ، والأخطر من هذا أن هذا العنف الذي يولد الكبت يؤثر على مستقبل هؤلاء التلاميذ لأنه يشل قدرات التلاميذ ويقتل فيهم الإبداع والابتكار.

وأخيرا ::

كل هذه العادات السيئة سواء كانت اجتماعية تحدث في البيت أو الشارع أو المواصلات ، أو كانت تعليمية تحدث في أماكن الدراسة فهي خطر على المجتمع لأنها تقدم أجيال كاملة يسهل تجنيدها واستخدامها من قبل أباطرة التطرف والتزمت والإرهاب ، ومن ينجو منهم سيعيش زاهدا خائفا من أي مبادرة أو مخاطرة من أي نوع خوفا من الوقوع في الخطأ.