الفلسفة المثالية :

يعتمد النموذج المثالي الذي يشكل مناهج التربية لدى المثاليين على رؤية أفلاطون من أن الأفكار أبدية وأزلية ونهائية، وهي لذلك في غاية الأهمية. وليس المقصود بالأفكار هنا - بالطبع- تلك الخواطر العقلية التي يترجمها العقل من الرموز اللفظية، ولكن أفلاطون يقصد بها في هذا المقام جوهر الأشياء والمثل العليا الموجودة في العالم العلوي، والتي يقاس بها كل شيء في هذا العالم المادي. إذا كانت الأشياء في هذا العالم المادي من وجهة النظر هذه تعرف عن طريق الحواس، فإنها قد صيغت على مثال سبق عند خلق الكون ونبعت فكرتها من خالقه. والعقل وحده هو الذي يستطيع أن يحكم عليها بأنها مطابقة للنماذج المثالية التي وضعت أزلا أم لا. وبهذا المعنى، فإن الأفكار أزلية لا تقبل التغير أو التطور. ومها قيل من أن عناصر هذا العالم مستحدثة ومتغيرة تبعا للظروف والملابسات التي تظهر من آن لآخر، فإن الأفكار والأشكال المثالية التي صيغت على مثالها هذه العناصر الموجودة في عالمنا موجودة من الأزل وستظل إلى الأبد دون تغير أو تطور.

حقيقة المذهب المثالي :

"المذهب المثالي" من مذاهب التربية الغربية فهو ـ في حقيقته ـ صدى لفلسفة أفلاطون، وتعبير عن نظريته المسماة بـ "المثل"، ومؤدى هذه النظرية أن ثمة عالمين اثنين : عالماً حسياً يتألف من "الأجسام"، وعالماً معقولاً يتألف من المجردات التي هي "المُثُل". وبناء على ذلك قال الغربيون: إن الإنسان يعيش في عالمين : عالم مادي متغيّر، وعالم روحاني خالد، وهذا الأخير هو عالم المثل العليا التي تشكل الهدف الأسمى للتربية والحياة. وهكذا رأى الغربيون في الإنسان جانبيْن : جانباً روحياً سامياً، وجانباً جسدياً تحكمه النوازع الدنيا والشهوات، وهذان الجانبان كالخطين المتوازيين يتجاوران ولا يلتقيان، ويتناقضان ولا يتكاملان، وهو ما أدى إلى قيام سلطتين في بلاد الغرب: سلطة روحية تشرف عليها الكنيسة، وسلطة زمنية قوامها حكم الواقع مفصولاً عن الدين، وترتّب على ذلك الاعتقاد بأن الإنسان أوْلى بالدرس من العالم الخارجي، وأن العلوم الإنسانية أهم من العلوم الطبيعية.
على أنّ دراسة الغربيين للإنسان ـ سواء قُدِّمت أم أُخّرت ـ في ظل عقيدتهم القائمة على فصل الدين عن الحياة لا تأتـي بخير، لأن المقدمات الخاطئة لا تقود إلى نتائج صحيحة؛ ولذا لم تستطع الدراسات الغربية في مجال النفس والتربية والاجتماع الرقي إلى مستوى العلم، وإن سُمّيت باسم العلم، وهو ما يؤكده إخفاق الغربيين في وقف التدهور السلوكي الذي يُنذر المجتمعات الغربية بأوخم العواقب.
والنظرة المثالية الغربية بما ترتب عليها من فصل بين الدين والحياة خاطئة ومدمرة، وهي ـ كما يقول (علي عزت بيجوفيتش) رئيس جمهورية البوسنة والهرسك في كتابه المعروف : (الإسلام بين الشرق والغرب) ـ هي المسؤولة عن إخفاق الأيديولوجيات الكبرى في العالم؛ فهذه النظرة هي التي شطرت العالم شطرين متصادمين بين مادية ملحدة، وكاثوليكية مغرقة في الأسرار، والصواب أنها "وحدة ثنائية القطب، تضم القضيتين المتصادمتين في العقل الغربي ألا وهما: الروح والمادة، السماوي والأرضي، الإنساني والحيواني، الدين والدنيا. وهذان المتناقضان يوجدان معاً وجود تفاعل وتزاوج وتكامل.. كما تتفاعل ذرات الأوكسجين مع ذرات الإيدروجين لتنتج الماء الذي يشرب منه الإنسان والحيوان والنبات".
وقد نبّه بيجوفيتش على أن طبيعة العقل الأوروبي (أحادي النظرة) كانت سبباً في عجزه عن فهم حقيقة الإسلام؛ ولذا أنكر الغربيون الإسلام لسببين متعارضين؛ فقد أنكره الماديون منهم بوصفه اتجاهاً يمينياً أي دين غيبيات، بينما أنكره المتدينون لأنهم رأوا فيه اتجاهاً يسارياً أي حركة اجتماعية سياسية.
ولا تغني عن المذهب المثالي دعـواه أنه إنما يريد ـ من خلال التربية ـ أن يحيط الطفل بالمثل العليا؛ لأنه لا يدري ما المثل العليا على وجه التحديد. يقول سير برسي نن : " نستطيع أن نحكم بأنه لا يمكن أن يكون هناك غرض عام للتربية ما دام هذا الغرض يحقق مُثُلاً عليا؛ لأن هذه المثل تتعدد بتعدد الأفراد ".
وهذا الاتجاه العقلي للفلسفة المثالية قد وضع العقل-بلا شك- في مرتبة ذات أهمية كبرى، بحيث لا يكون العقل شيئا آخر غير الروح مادام يشارك في طبيعة المطلق. وبالرغم من وجود الجسم والبيئة الاجتماعية والطبيعية إلا أنهما في النهاية يدخلان في دائرة العقل ويذوبان داخله. ولذلك فالطبيعة الإنسانية لا ينظر إليها على أنها جسم منفصل يستجيب لدوافع بيئية، ولكنه جوهر لا يتأثر بعامته إذا تأثر جزءه. ولهذا تنادي هذه النظرية بتربية الإنسان من جميع جوانبه حتى يصبح كلا مستقيما، ولكن يبقى العقل هو صاحب الاهتمام الأكبر في مناهج هذه النظرية.
إن الواقع بالنسبة للمثالي هو عالم العقل، والواقعية شيء خيالي أو روحي وليس ماديا، ويعتقد المثاليون أن الطبيعة تعتمد على العقل الشامل لله. وبناء على هذه النظرة، فالتعلم ليس ابتكارا وإبداعا- ولكنه تحقيق الفكرة المطلقة بالنسبة للحقيقة والخير والمثل التي وضعت سلفا. وليست قيمة الأفكار مبنية على ما لها من أهمية في حياة التلاميذ أو ضرورة في إنجاز مشروعاتهم، أو في ترقية حياتهم، بل إن قيمة الأفكار في ذاتها، حيث إنها تصور الواقع الممثل للحقائق اللانهائية، ومن أجل ذلك فالأفكار جديرة بالتعلم. وهي تستحق أن يكون تعلمها هدفا في حد ذاته.
والمثالية –عموما- وثيقة الصلة بالدين. وتؤمن هذه النظرية بأهمية الحق والخير والجمال. ويهتم المثاليون بالرياضة البدنية، لا من أجل الجسم، فهم لا يهتمون بالمادة، وإنما من أجل العقل.
إن أصحاب هذا الاتجاه يهتمون بالمثل العليا بالدرجة الأولى.. فهم ينظمون تجارب الجنس البشري ويركزونها ليقدموها لقمة سائغة إلى الطفل.
وهذه الخبرة بحسب مروجي النظرية هذه هي نوعين منها ما يختص بالبيئة الطبيعية ومنها ما يختص بالإنسان أي العلوم والإنسانيات.
وتعتبر المثالية من أقدم الفلسفات في الثقافة الغربية، التي ارتبط ظهورها ارتباطا وثيقا بزعيمها المفكر اليوناني أفلاطون، وهي كما عرفها لالاند : " الاتجاه الفلسفي الذي يرجع كل وجود إلى الفكر بالمعنى الأعم لهذه الكلمة ". بمعنى آخر هي المذهب الذي يقول أن الأشياء الواقعية ليست شيئا آخر غير أفكارنا، وهي الفكرة التي نجدها عند أفلاطون في المثل العليا، إذ يرى أن أنفسنا كانت تسبح في هذا العالم، أين عرفت أسماء الأشياء بصورتها التامة، الكاملة، قبل نزولها إلى الأرض. وولوجها في الجسد أنساها أسماء الأشياء، فأصبحت تحاكي ما رأته وتعلمته في المثل العليا أو العالم الحقيقي، ومن أبرز أعلامها: أفلاطون.هيجل...الخ.
ولد أفلاطون في سنة 427 ق.م في جزيرة قريبة من شاطئ أثينا، واسمه في الأصل أرسطوقليس. ينحدر من أشراف أثينا ذوي المنزلة والثراء. تعلم القراءة والكتابة، حفظ شعر هوميروس، ومبادئ الحساب والهندسة والموسيقى. كان ذو ذكاء حاد، عميق الفكر، حسن الحديث، بارع النكتة، ومحبا للجمال. عاش حتى الثمانين من عمره، توفي سنة 347 ق.م.

لقد قسم أفلاطون المجتمع إلى ثلاث طبقات :

- طبقة الحكام ويتميزون بالحكمة، ويسييرون شؤون الدولة.
- طبقة الجند، ويتميزون بالقوة، وتسهر على أمن الحكام.
- طبقة العبيد، وهي الطبقة الخادمة، التي تقوم على خدمة طبقة الحكام.
وعلى كل طبقة احترام الطبق الأعلى منها، فلا يجوز مثلا لطبقة العبيد التطلع إلى طبقة الجند أو الحكام، وكذا الحال بالنسبة لطبقة الحكام فلا يجوز للحاكم أن ينزل إلى طبقة الجند أو العبيد، فما خلق إلا ليكون حاكما، وليحكم الشعب وعليه وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ليقوم بالعمل المناسب.
المنهاج وطريقة التدريس في نظر المثالية :
يرى المثاليون أن المنهاج (المنهج) الذي يدرس للتلاميذ ينبغي أن يكون موضوعات ثابتة غير قابلة للتطور وتنقل من جيل إلى جيل. حيث تعمل على توسيع فهم الطفل للكون وللإنسان نفسه، فتنظيم قدرات الطفل وتنمية ذكائه يمكن أن تتحقق من دراسة الفنون الحرة والقراءة، وكذا الإطلاع على الكتب العظيمة التي أنتجتها عقول الحكماء والمفكرين التي يمكن أن تخلق الإنسان المثالي وتوسع فهمه للكون ولذاته.
ومن ثم يجب أن يوجه اهتمام أكبر إلى دراسة مواد معينة كالتاريخ والأدب والفلسفة تهتم بالمشاكل الدائمة للإنسان، وتعبر عن اعتقاداته وأفكاره على مر العصور التاريخية، وهي تعتبر كنزا للمعرفة والحكمة وتراثا معرفيا.
ولقد اهتمت المثالية بالمادة الدراسية أكثر من اهتمامها بالمتعلم، فهي لا تقيم وزنا إلا للمعرفة والحقيقة أما التلميذ فقد لا يكون له قيمة على الإطلاق، فمنهج المدرسة المثالية هو منهج مقفل يعتمد على المعرفة والكتاب ويتقيد بحدود لا يمكن تعديلها، حيث يبقى القديم على قدمه للحفاظ على المعرفة والتراث ونقله إلى عقول المتعلمين. ولا تؤمن المثالية بأهمية النشاطات الخارجة عن الكتاب في منهجها الدراسي لأن مثل هذه النشاطات لا تساهم في تدريب عقول التلاميذ وملئها بالحقائق، بل تهتم بجوانب أخرى ليست موضوع اهتمام المثالية.
أما النظام المدرسي، فقد أصبح المدرسين يواجهون مشكلة بحيث أن الجسم والعقل نوعان مختلفان، فإنهما يسلكان مسالك متعارضة تعوق بعضها البعض، فالطفل لا يستطيع أن يذهب إلى المدرسة بعقله فقط فلا بد أن يحمل معه جسمه.
إذا أصبح ينظر إلى التلميذ على أنه شيء أو بالأحرى آلة تتلقى المعارف بالطريق الإلقائية في سكون وهدوء، فإذا حاول أن يحرك جسمه قسا عليه المدرسون بالعقوبات البدنية المختلفة، وبذلك كان التلميذ المثالي هو الذي يجلس صامتا ساكنا، حتى يعمل عقله على استيعاب المعلومات. ومنه كان هدف التدريس ليس حمل التلميذ على معرفة مجموعة من المعلومات بقدر ما هو محفز له على اكتشاف معناها لنفسه، عن طريق خبراته الشخصية السابقة، بحيث يصبح لما يتعلمه معنى ومغزى.

المعلم :

المعلم في نظر المثالية ينبغي أن يكون فيلسوفا مفكرا كسقراط، وغيره من الفلاسفة، وقد ركزت المثالية على دور المعلم، وجعلته يحتل المركز الرئيسي في العملية التربوية، في حين نظرت إلى المتعلم نظرة سلبية، فالمعلم يجب أن يكون قدوة لتلاميذه بما يملكه من معارف وخبرات واسعة، تجعل الطلاب ينهلون منهله، بمعنى على المعلم أن يكون موسوعة يعمل على إيصالها إلى الطلبة، وأن يكون مخلصا جادا في عمله، والمعلم بفطنته وبصيرته يعمل على كشف استعدادات تلاميذه، وبذلك يعطيهم القدر المناسب من المعارف، وتقتصر عملية التعليم على التذكر والاسترجاع لذا يجب على المعلم في نظر أفلاطون تنمية هذه القدرة.

النقد :

لقد غال أفلاطون في تربيته المثالية وطريقة التدريس إلى درجة يصعب تحقيقها على أرض الواقع، فمثلا تربية أفلاطون للأطفال على أساس الفضيلة حتى يصبحوا خيرين، تناسى أن في الإنسان بذرتين، بذرة الخير وبذرة الشر، ويستحيل أن نجد شخص خير محض، كما أن نظام الطبقات الذي فرضه أفلاطون على المجتمع فيه ظلم لفئة عن فئة.
كما فصل أفلاطون بين الجانب العقلي والجسمي، بل حتى أنه فصل الجانب العقلي وأعطاه الأهمية أكثر من اهتمامه بالجانب الجسمي، وكأننا نستطيع أن نتصور الإنسان بعقله دون جسده.
المثالية كفلسفة تربوية أكدت على:
- الجانب المعرفي وأهمية المعرفة بالنسبة للمتعلم.
- الاهتمام بالثقافة والحفاظ عليها.
- وضع المعلم في مرتبة سامية واعتباره أهم عنصر في العملية التربوية.
- التأكيد على أهمية الجوانب الخلقية والدينية في تنمية شخصية المتعلم .
غير أنها فشلت و قصرت في:
- فهم طبيعة المتعلم (النظر إليه على أنه عقل أو روح خالصة، الاهتمام بالمعرفة أو تنمية العقل فقط).
- اقتصار الأهداف التربوية على تدريب عقل الإنسان دون النظر إلى الجوانب التي تتصل بالنواحي الجسمية .
- النظر إلى التلميذ على أنه سلبي يتلقى المعلومات التي يلقيها عليه المعلم (آلة) وكذا استخدام العقوبات البدنية لا يتفق مع ما تذهب إليه الفلسفات الأخرى، فالموقف التعليمي موقف تفاعل و ليس موقف جامد ثابت فيه طرف ايجابي هو المعلم و آخر سلبي هو التلميذ.